الاهرام : 4 أغسطس 2016

كتب : نبيل عبدالفتاح

يبدو أن الكسل أصبح هو الدين الوضعى الذى يؤمن به غالبية المصريين الساحقة، تحول من قيمة سلبية مقيتة إلى إيمان، وحالة من التلذذ والمتعة لدى بعضهم، وإلى شكل من أشكال الرفض والغضب على أوضاع العمل فى مؤسسات الدولة المتضخمة بعمالة إدارية وفنية غير مؤهلة أو مدربة على أداء الأعمال المنوطة بها لدى بعضهم الآخر.

لم يعد الكسل مقصورا على بيروقراطية الدولة المترهلة التى تقارب سبعة ملايين موظف وعامل، وإنما امتدت إلى بعض مواقع القطاع الخاص، حيث التراخي، وتراجع المهارات الفنية، حتى فى مجال التسويق والبيع والشراء والاستثناءات قليلة فى كل مجال من مجالات العمل الخاص.

والسؤال: هل يعود الكسل كقيمة سائدة إلى تضخم العمالة، وغياب شروط العمل المنتج؟ أم إلى اختلال هيكل توزيع الأجور والإحساس بالغبن وعدم العدالة التوزيعية؟ أم أن الكسل يعود إلى رغبة بعضهم فى الأجهزة الإدارية الحصول على رشى من طالبى ومستحقى الخدمات الحكومية؟

فى الأجهزة الإعلامية المرئية والمسموعة الرسمية على سبيل المثال لا الحصر، أعداد ضخمة فى كل قطاعات العمل، بلغت فى بعض الأرقام المتداولة إلى 34 ألف موظف، ووصلت المديونية إلى 23 مليار جنيه والخسائر مستمرة، والأداء العام يتسم بالكسل والترهل المفرط. خذ أيضاً أرقام العاملين بالمؤسسات الصحفية القومية حيث وصلت إلى نحو 24 ألفا منهم 9.2 ألف من العمال، و 10.7 ألف من الإداريين مقابل أربعة آلاف من الصحفيين، ويبلغ عدد العاملين فى المؤسسات الثلاث الكبرى – الأهرام والأخبار والجمهورية – أكثر من ثلاثة أرباع العاملين فى كل المؤسسات الصحفية، ووصلت الديون المتراكمة على هذه المؤسسات إلى 11 مليار جنيه. وحدث ولا حرج عن تردى الأداء المهنى والإدارى والوظيفى وتراجع مستوياته، وتأثير هذه الأعداد الضخمة وغير المؤهلة – مع بعض الاستثناءات فى القطاعات المختلفة للعمل الصحفى – على أداء الكفاءات والموهوبين، وتحول قوة قانون الكثرة غير المؤهلة إلى أحد أكبر العوائق الهيكلية لتطوير هذه المؤسسات ورفع مستويات أدائها الصحفى ومواكبة التحولات فى المهنة عالمياً وعلى المستويات التقنية. يبدو لى أن التضخم والترهل وعدم كفاءة العمالة فى هذه المؤسسات الصحفية والإعلامية، وغيرها من أجهزة الدولة الإدارية باتت تشكل أحد أكبر عوائق التطور والتنمية حتى فى إطار الخيار الرأسمالى لأنها باتت تشكل نموذجا لقيمة الكسل واللا عمل وفقدان الدافعية والحافز نحو العمل الفعال – كما ونوعاً-، ويعود ذلك لتضخم العمالة البيروقراطية، وغياب وضعف البنية الأساسية الإدارية المطلوبة لممارسة العمل، وضعف عمليات التدريب وإعادة التأهيل للعمالة الفنية والإدارية من الناحية التقنية والمهارات.

يبدو أيضاً أن التواطؤات المستمرة من سلطات الدولة والنخبة الحاكمة على احتواء غضب الأجهزة البيروقراطية، وعدم قدرتها على حسم الاختلال فى العمالة وهياكل الأجور، أدت إلى ابتداع تحايلات بيروقراطية على إضافة الحوافز والمكافآت وما سمى بالنقاط فى بعض المؤسسات الصحفية، وذلك لتغدو جزءاً لا يتجزأ مما يتقاضاه العاملون شهرياً وسنوياً، بقطع النظر عن العمل الجاد والإنجاز، وعدم تحقق أرباح حقيقية، على نحو أصبحت تشكل عبئاً ضخماً على ميزانية الدولة وتزايد مديونيات عديد من المؤسسات القومية والأجهزة الإدارية التابعة للوزارات. يبدو أيضاً أن شيوع الكسل كقيمة سلبية، وغياب الحوافز الفردية تجاه العمل كقيمة جماعية وفردية تضفى معنى على حياة الفرد والجماعة تعود إلى ترييف أجهزة الدولة والمؤسسات القومية والعامة، من حيث نوعية العمالة ذات المصادر الريفية، وتمدد التعيين على أساس أسرى وعائلى وقروى ومناطقي، على نحو باتت تشكل فى بعض المؤسسات توريثا للمهن والوظائف على رغم مخالفة ذلك للوائح الإدارية، وبقطع النظر عن الكفاءة أو التأهيل، وذلك فى إطار شبكات المحسوبية والزبائنية الشائعة كأحد قوانين الإدارة والبيروقراطية غير القانونية. لا شك فى أن هذا النمط من الشبكات يؤدى إلى تعطيل مبدأ الثواب والعقاب، وإلى التواطؤات المتبادلة للتهرب من المسئولية إزاء الجرائم الإدارية بل والجنائية فى بعض الأحيان. من ناحية أخرى تبدو شبكات الفساد أخطر ما يواجه أجهزة الدولة، حيث ترتفع مؤشراته ولا تتراجع على سبيل المثال تذهب منظمة شركاء من أجل الشفافية إلى حدوث 1102 واقعة فساد فى 28 وزارة مصرية فى الفترة من يوليو 2015 حتى يونيو 2016، وأن وزارتى التموين – 215 حالة فساد – والمحليات – 127 – شهدتا نصف وقائع الفساد التى رصدتها هذه المنظمة. أن الفساد كسوق لبيع الخدمات العامة، يؤدى إلى تمايزات اجتماعية بين من يعملون بجدية من العاملين، وبين غيرهم من الفاسدين، وهو ما يؤدى إلى تمدد نزعة اللامبالاة، وعدم الرغبة فى العمل لدى قلة ممن يعملون لأن سلوك الفاسدين يحبطهم، ويكبح لديهم الحافز نحو العمل الجاد، لأن تمدد الفساد وضعف العقاب أو الإفلات منه، يولد بيئة الإحباط. من ناحية أخرى، ثمة سبب عام ساعد على شيوع الكسل، وهو ثورة التطلعات والاستهلاك الكثيف، وصوره التى تروجها أجهزة الإعلام، فى حين تعانى أغلبية المواطنين من عسر الحياة وضغوطها وعدم الوفاء باحتياجاتهم الأساسية، وهو ما يدفعهم إلى فقدان الحافز نحو العمل لأنه لن يؤدى إلى الحراك الاجتماعى لأعلى، ومن ثم أنتج ذلك تطلعات بلا تحقق، ومن ثم اتساع مناخ من اليأس والإحباط.

أضف الرد !

Your email address will not be published.